عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

50

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقد يطلق اسم العلماء ويراد إدخال الأنبياء فيهم كما في قوله تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } ( 1 ) . فلم يفرد الأنبياء بالذكر ؛ بل أدخلهم في مسمى العلماء ، وكفى بهذا شرفًا للعلماء أنّهم يسمون باسم يجتمعون هم والأنبياء فيه . ومن هنا قال من قال : إِنَّ العُلَمَاءَ العَامِلِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ . كما قال أبو حنيفة والشافعي : إِنْ لَمْ يَكُنْ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ أَوْلِيَاءَ اللهِ فَلَيْسَ للهِ وَلِيٌّ . وقال الإمام أحمد في أَهْلِ الْحَدِيثِ : إِنَّهُمْ هُمُ الأَبْدَالُ . قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " . والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه ، وأن الَّذِي خلف الأنبياء هو العِلْم النافع ، فمن أخذ العِلْم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الَّذِي يغبط به صاحبه . وَرَأَى ابْنُ مَسْعُود قَوْمًا فِي المَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ فَقَالَ رَجُلٌ : عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ ؟ فَقَالَ : عَلَى مِيرَاثِ مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - يَقْتَسِمُونَهُ . وخرج أبو هريرة إلى السوق ، فَقَالَ لأهله : تَرَكْتُمْ مِيرَاثَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - يُقْتَسَمُ فِي المَسْجدِ ِوَأَنْتُمْ هَا هُنَا ( 2 ) ؟ ! فتركة النبي - صلى الله عليه وسلم - وميراثه هو هذا الكتاب الَّذِي جاء به مع السنة المفسرة له المبينة لمعانيه . وفي " صحيح البخاري " ( 3 ) عن ابن عباس " أنّه سئل : أترك النبي - صلى الله عليه وسلم - من شيء ؟ قال : مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ، يَعْنِي : دفتي المُصْحَف " .

--> ( 1 ) آل عمران : 18 . ( 2 ) ذكره الهيثمي في " المجمع " ( 1 / 124 ) وقال : رواه الطبراني في " الأوسط " ، وإسناده حسن . أه - . ( 3 ) برقم ( 5019 ) .